ابن كثير
197
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه بيده الملك أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله ، ولهذا قال تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثم قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ واستدل بهذه الآية من قال إن الموت أمر وجودي ، لأنه مخلوق ، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم أي يختبرهم أيهم أحسن عملا ، كما قال تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] فسمى الحال الأول وهو العدم موتا وسمى هذه النشأة حياة ، ولهذا قال تعالى : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن اللّه أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء » ورواه معمر عن قتادة . وقوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي خير عملا كما قال محمد بن عجلان ، ولم يقل أكثر عملا ثم قال تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ أي هو العزيز العظيم المنيع الجناب ، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب بعد ما عصاه وخالف أمره ، وإن كان تعالى عزيزا هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز ، ثم قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي طبقة بعد طبقة وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء ، فيه قولان أصحهما الثاني كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره . وقوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أي بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل ، ولهذا قال تعالى : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو فطورا ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي شقوق « 1 » ، وقال السدي هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي من خروق ، وقال ابن عباس في رواية مِنْ فُطُورٍ أي من وهاء ، وقال قتادة هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي هل ترى خللا يا ابن آدم . وقوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ قال قتادة : مرتين يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً قال ابن عباس : ذليلا ، وقال مجاهد وقتادة : صاغرا وَهُوَ حَسِيرٌ قال ابن عباس : يعني وهو كليل ، وقال مجاهد وقتادة والسدي : الحسير المنقطع من الإعياء ، ومعنى الآية أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك أي لرجع إليك البصر خاسِئاً عن أن يرى عيبا أو خللا
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 165 .